ابن الأثير

351

الكامل في التاريخ

إلى عالقين ، فأقام به ، ومرض ، وتوفّي ، وحمل إلى دمشق ، فدفن بالتربة التي له بها . وكان عاقلا ، ذا رأي سديد ، ومكر شديد ، وخديعة ، صبورا ، حليما ، ذا أناة ، يسمع ما يكره ، ويغضي عليه حتّى كأنّه لم يسمعه ، كثيرا الحرج « 1 » وقت الحاجة لا يقف في شيء وإذا لم تكن حاجة فلا . وكان عمره خمسا وسبعين سنة وشهورا لأنّ مولده كان في المحرّم من سنة أربعين وخمسمائة ، وملك دمشق في شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة [ من الأفضل ابن أخيه ، وملك مصر في ربيع الآخر من سنة ستّ وتسعين ] « 2 » منه أيضا . ومن أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع أنّه لم يملك الأفضل مملكة قطّ إلّا وأخذها منه عمّه العادل ، فأوّل ذلك أنّ صلاح الدين أقطع ابنه الأفضل حرّان ، والرّها ، وميّافارقين ، سنة ستّ وثمانين ، بعد وفاة تقيّ الدين ، فسار إليها ، فلمّا وصل إلى حلب أرسل أبوه الملك العادل بعده ، فردّه من حلب ، وأخذ هذه البلاد منه . ثمّ ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق فأخذها منه ، ثمّ ملك مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز فأخذها أيضا منه ، ثمّ ملك صرخد فأخذها منه . وأعجب من هذا أنّني رأيت بالبيت المقدّس سارية من الرخام ملقاة في بيعة صهيون ، ليس مثلها ، فقال القسّ الّذي بالبيعة : هذه كان قد أخذها الملك الأفضل لينقلها إلى دمشق ، ثمّ إنّ العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل ، طلبها منه فأخذها . وهذا غاية « 3 » ، وهو من أعجب ما يحكى . وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده ، فجعل بمصر الملك الكامل

--> ( 1 ) . كثير الخرج . A ( 2 ) . P . C ( 3 ) . غاية في الطوالع . B